فن
أخر الأخبار

لا تخافوا على دمشق من ” شارع شيكاغو ” .. خافوا عليها من دمشق 2020 !!

اعلان | ADS
تابعنا عبر

لا تخافوا على دمشق من ” شارع شيكاغو ” .. خافوا عليها من دمشق 2020 !!

خلال الأيام القليلة الماضية، اتصل بي عدد من الأصدقاء، يسألون عن مصداقية المسلسل السوري “ شارع شيكاغو ” الذي بدأ عرضة الحصري على قناة OSN المشفّرة، وتدور أحداثه خلال سنوات الوحدة السورية المصرية (1958-1961). السؤال الأول كان عن شارع شيكاغو نفسه،

إن كان حقيقة أم خيالاً، وعن موقعه الحالي في دمشق. وقد ورد في موقع ويكيبيديا بالعربي أن هذا الشارع “كان معروفاً في دمشق، حيث كان يجتمع فيه المثقفون وأصحاب الموضة وتحصل فيه نقاشات فكرية واجتماعية”.

هذا الوصف غير صحيح بالمطلق، لأن شارع شيكاغو لم يكن في يوم من الأيام مركزاً لأي نشاط فكري أو ثقافي، بل معقلاً لعدد من الخمارات. ولم يكن معروفاً إلا لدى شريحة ضيّقة جداً من رواد تلك الأماكن، فلم يرد ذكره في كتاب، ولم يُعرف عن أي شاعر أو أديب تردده عليه. وقد أطلق عليه الناس اسم “شيكاغو”، لأنه بنظرهم يشبه شوارع مدينة شيكاغو الأميركية. ولعل الاسم مرتبط بعدد المشاجرات التي كانت تحصل فيه في ساعات متأخرة من الليل، ما ذكّر الناس في حينها بمدينة شيكاغو، التي اشتهرت بها المافيا الأميركية في أفلام السينما.إشكالية الإعلان

اعترض الناس بداية على الإعلان الترويجي للمسلسل، الذي ظهرت فيه الفنانة سلاف فواخرجي، في أحضان الممثل مهيار خضور. هذا مع العِلم أن السينما السورية في الستينيات والسبعينيات كانت تحتوي على مشاهد أكثر جرأة وأكثر سخونة من ذلك بكثير، وقد ظهر فيها نجوم كبار، مثل دريد لحام وعبد اللطيف فتحي ورفيق سبيعي، إضافة لناجي جبر وزياد مولوي وعصام عبجي. هؤلاء دخلوا كل بيت، وحققوا نجاحاً باهراً عند الصغار قبل الكبار، ولم يتهمهم أحد بنشر الفسق والفجور.

اعلان | ADS

نذكر مثلاً فيلم “سمك بلا حسك” الذي عُرض عام 1978، وظهرت فيه إحدى نجمات سورية في مشهد ساخن للغاية مع المطرب اللبناني وليد توفيق. لم يتعرّض أي منهم لانتقاد مجتمعي، لأن جمهور الستينيات والسبعينيات كان مختلفاً عن جمهور عام 2020 الذي يعتبر أكثر محافظةً من سابقيه، وأقل تقبلاً لهذه الجرأة.

الشارع اليوم

شارع شيكاغو ما زال موجوداً حتى اليوم، وفي الحقيقة هو أقرب إلى زقاق منه إلى شارع، يقع في محلّة صغيرة خلف سينما الأهرام، قبل جسر فكتوريا، عمقها لا يتجاوز 300 متر. وقد نال نصيبه من الشهرة في زمن الوحدة لتردد عدد من الضباط السوريين والمصريين عليه، ومنهم المشير عبد الحكيم عامر، حاكم الإقليم الشمالي وصديق الرئيس جمال عبد الناصر.

ومن القصص الطريفة المرتبطة به أن المشير عامر دخل ذات يوم إلى إحدى الخمّارات، ووجد الراقصة التي كان يحبها تجلس مع “زبون” آخر هو غسان الألشي، نجل جميل الألشي، رئيس الحكومة الأسبق في زمن الانتداب. غضب المشير وخاطب الشاب قائلاً: “ولاه أولشي بيه…البنت دي مش عاوزك تقرب منها أبداً”، ابتسم الألشي، وهو من ظرفاء دمشق، ورد بالقول: “ياسيادة المشير، ولاه وبيه ما بيمشوا مع بعض… لازم تختار، يا ولاه يا بيه!”

ظلّ شارع شيكاغو حاضراً في مجتمع اللهو حتى مطلع الثمانينيات، عندما تم إغلاقه بسبب وقوع جريمة قتل فيه. وسقط ذكره من الذاكرة الشعبية للسوريين حتى اليوم، عند عرض المسلسل قبل أيام. لم يعجب المجتمع الدمشقي المحافظ مشاهدة مدينته بهذا المنظر المستفزّ، المدينة التي عُرفت بجوامعها وأضرحتها ومدارسها الدينية، لا بخماراتها ومراقصها. ولكن وجود الجامع لا يُلغي وجود الخمارة، وكلاهما كان وما يزال موجوداً في دمشق، إذ لا توجد مدينة في العالم على نمط واحد.

فدمشق، وعلى الرغم من وجود الخمارات في بعض أزقتها، لم تكن تقبل انتشار مظاهر العري والخلاعة والقبل العلنية في الشوارع، أمام أعين الناس. دمشق كانت وما تزال حتى يومنا هذا تلفظ هذه المشاهد بالأماكن العامة، ولا يزال أهالي دمشق ينظرون نظرة احتقار لمن يمارس هواياته الجنسية علناً، في حديقة عامة مثلاً أو في زقاق، أو حتى في شارع انتشرت فيه الخمارات.

ولكن بالمحصلة، تبقى دمشق هي دمشق، بكل ما لها وعليها، بكبريائها وعظمتها التاريخية. هي مدينة علماء وشخصيات فاضلة، حتى لو لم يظهر أي منهم في المسلسل. وقد لا يظهر أحد من هؤلاء، لأن أحداث المسلسل تدور في حارة خمارات وليس بمحيط الجامع الأموي. شارع شيكاغو لا يختلف عن خمارات حيّ باب توما في العام 2020، بل لعله أقل وقعاً من خمارات اليوم، لأنه كان متواجداً في زقاق ضيّق ومنسي، وليس في وسط حي سكني وأثري.

في دمشق اليوم ما هو أفظع بكثير من شارع شيكاغو، من تراجع كبير للتكافل الاجتماعي مثلاً، الذي كان يستر الفقير ويداري على المحتاج. ليس دفاعاً عن شارع شيكاغو، ولكن هذا الشارع الذي نظر إليه الدمشقيون على أنه موبوء كان أنظف بكثير من كل شوارع دمشق اليوم. يومها كان هناك زقاق واحد مشبوه في مدينة دمشق، وليس أحياء بأكملها. كانت منطقة الشعلان أنيقة، وساحة المرجة رمزاً لأحرارها ومشانقهم، وليس لفنادق النصف نجمة الممتدة من حولها اليوم.

لا تخافوا على دمشق من “شارع شيكاغو،” بل خافوا عليها من دمشق 2020.

إتحاد الصفحات الإلكترونية في حلب

تابعنا على الفيس بوك

اعلان | ADS

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى

لاحظنا انك تستخدم مانع إعلانات (Adblocker)

نعلم انك لا تحب الإعلانات، و نحن لا نوفر الا بعضها في هذه الصفحة، ما ستقرأه الآن قد إشتغل عليه أكثر من شخص في الكتابة و التدقيق و التسويق و التصميم و الأرشفة و النشر، و جزائهم الوحيد هو الإعلانات التي ستظهر لك، ففضلا لا أمرا قم بتعطيل مانع الإعلانات حتى نوفر دائما محتوى أفضل . شكرا لك .